وضع داكن
21-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 050 ب - اسم الله اللطيف 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  اللطيف احتجب عن خلقه في الدنيا لكماله وجلاله:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا مع اسم اللطيف، واللطيف هو الذي أعطى العباد فوق الكفاية، وكلفهم دون الطاقة، واللطيف هو المُيسر لكل عسير، والجابر لكل كسير، واللطيف من وَفّق للعمل في الابتداء وختمه بالقبول في الانتهاء، واللطيف هو الذي وَلِي فستر، وأعطى فأغنى، وأنعم فأجزل، وعلّم فأجمل، هذا هو اللطيف.
أيها الإخوة؛ معنى دقيق من معاني اللطيف، اللطيف احتجب عن خلقه في الدنيا لكماله وجلاله، فإن الله لا يُرى في الدنيا لطفاً وحكمة، ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة، قال تعالى: 

﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾

[ سورة الأعراف ]

في الدنيا مستحيل، طبيعة الجسم، بنيته، خصائصه لا تحتمل، إنك ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ لذلك لا يُرى في الدنيا لطفاً وحكمة، ويُرى في الآخرة إكراماً ومحبة، وفي كل الأحوال الله عز وجل لا يُدرك إحاطة من قِبَل خلقه، حتى أعلى الخلق، حتى سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.
أي هو أعلانا معرفة، إحاطة مستحيل، لأنه لا يعرف الله إلا الله، لو رآه الناس في الدنيا جهاراً-دقق-لبطل التكليف، أضرب هذا المثل؛ لو أن صاحب المحل وراء الطاولة، والمكان الذي فيه المال بقبضته، ويوجد عنده موظف، مادام صاحب المحل التجاري لا يُغادر مكتبه ولا ثانية، ويأتي أول إنسان ويغادر آخر إنسان، ومكان المال بيده، فهذا الموظف أمين أم خائن؟ مستحيل أن نعلم، الآن يوجد مولات، هذا الاسم الأجنبي بالعالم الغربي أي سلعة يوجد عليها مادة إن لم يُدفع ثمنها تصدر صوتاً وتُغلق الأبواب بشكل أوتوماتيكي، من هو الأمين؟ ليس هناك أمين ولا خائن، لأنه لا يوجد امتحان، الأمر مستحيل، أما حينما قُطِعت الكهرباء في بلدة غربية ارتُكبت في ليلة واحدة مئتا ألف سرقة بثلاثين ملياراً، فانضباط العالم الغربي انضباط الكتروني وليس دينياً، الانضباط في العالم الغربي انضباط الكتروني فقط، لا يمكن أن ينجو الإنسان من مخالفة، يوجد ضبط، هذا الضبط يُلغي الرقي، يُلغي التكليف، يُلغي المسؤولية، يُلغي البطولة، أنت منضبط، لو أن الله عز وجل يُرى في الدنيا وكل ذنب وراءه عقاب مباشر الكل يستقيمون.
 

لا يستحق الإنسان الجنة إلا إذا كان مخيراً:


في بعض البلاد الشرقية لو إنسان نزل من على الرصيف يُعدم قديماً، الناس انضبطوا لكن انضباط قهر، ليس انضباط شكر، انضبطوا انضباط خوف، قلت لكم كثيراً: الله عز وجل ما أراد أن تكون علاقة عباده به عبادة قهر:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾

[ سورة البقرة ]

علاقة حب، علاقة أن تأتيه طائعاً، علاقة أن تأتيه مختاراً، علاقة أن تطيعه وبإمكانك أن تعصيه، أن تصلي وبإمكانك ألا تصلي، لذلك لو أن الله ظهر في الدنيا أُلغي التكليف، أُلغي حمل الأمانة، أُلغيت البطولات، أُلغي الثواب، أُلغي العقاب، تماماً كما لو جلس صاحب المحل وراء مكتبه ومكان المال بيده، فهذا الذي أمامه لا يمكن أن يوصف بأنه أمين ولا بأنه خائن، لكن صاحب المحل لو خرج من المحل وأبقى الدرج مفتوحاً، وجلس في المحل المقابل بمكان لا يراه الموظف، يراقبه، الآن يُمتحن الموظف، لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

[ سورة إبراهيم ]

هو يبدو أنه غافل، يقتلون ليلاً نهاراً: ﴿إنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ لا يمكن أن نمتحن، لا يمكن أن نستحق الجنة، لا يمكن أن يكون لنا ثواب، لا يمكن أن نرقى إلا إذا كنا مخيرين، إلا إذا كان بالإمكان أن تعصيه وأنت معافى، العالم كله يعصي الله عز وجل، أنواع المعاصي والآثام والشذوذ والإباحية والسحاق واللواط بالعالم كله، وأكل المال الحرام والربا والقهر والقتل وصحة طيبة، والضغط ثمانية اثنتا عشرة، والنبض ثمانون، والأمور كلها بأعلى درجة، لا يستحق الإنسان الجنة إلا إذا كان مخيراً.
 

الآخرة خبر في القرآن الكريم أما الدنيا فمحسوسة:


لذلك أول آية:

 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 

﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

[ سورة البقرة ]

الدنيا محسوسة أما الآخرة خبر في القرآن الكريم:

﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾

[ سورة الضحى ]

الآخرة خبر أما الدنيا فمحسوسة، لذلك لو رآه الناس في الدنيا لبطلت الحكمة، وتعطلت معاني العدل والرحمة.
 

الدنيا دار تكليف وعمل والآخرة دار تشريف وجزاء:


من هنا قال الله عز وجل عن رؤيته في الدنيا:

﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)﴾

[ سورة الشورى ]

مستحيل، حتى كليم موسى، كلمه الله من وراء حجاب، وقال تعالى:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾

[ سورة الأنعام ]

موجود لكن لا تراه، اعبده كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذه مرتبة الإحسان،

(( وفي صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: عن عبد الله بن عمر: ما من نبيٍّ إلَّا وقد أنذر قومَه المسيخَ الدَّجَّالَ، لقد أنذر نوحٌ قَومَه ولعَلَّه سيُدرِكُه بعضُ من رأى أو سَمِعَ كلامي. قالوا: يا رَسولَ اللهِ، فكيف قلوبُنا يومَئذٍ. قال: مِثلُها-يعني اليومَ-أو خَيرٌ، ولكِنْ سأقولُ لكم فيه قولًا لم يقُلْه نبيٌّ لقَومِه: تعلَمونَ أنَّه أعوَرُ، وإنَّ رَبَّكم ليس بأعوَرَ، وتعلَمونَ أنَّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّه حتى يموتَ، وأنَّه مكتوبٌ بين عينيه كافِرٌ، يقرؤُه مَن كَرِهَ عَمَلَه. ))

[ صحيح البخاري ]

في الدنيا ليس هناك رؤية، وأي دعوى افتراء وكذب، لأن الدنيا خُلِقت للابتلاء، أما الآخرة فهي دار الجزاء، الدنيا دار تكليف أما الآخرة دار تشريف، الدنيا دار عمل أما الآخرة دار جزاء، في الآخرة يُكشف الغطاء، ويُرفع فيها الحجاب، ويلطف الله بالموحدين عند الحساب، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

[ سورة ق ]

 

رؤية وجه الله الكريم يوم القيامة:


لذلك قال تعالى:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26)﴾

[ سورة يونس ]

قال علماء التفسير: الزيادة رؤية وجه الله الكريم، وهناك آية تُبين أن هناك ما هو يَفْضل رؤية وجه الله الكريم رضوان رب العالمين، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)﴾

[ سورة التوبة ]

 

أعلى عطاء يناله الإنسان عند الله عز وجل رضوان من رب العالمين:


صار هناك جنة فيها:

(( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))

[ صحيح البخاري ]

وهناك نظر إلى وجه الله الكريم: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ثم هناك رضوان من الله عز وجل، هذا أعلى عطاء يناله الإنسان عند الله عز وجل، أي دخل إلى بستان جميل لكن أجمل ما في هذا البستان وجه صاحبه، تمليت منه فنسيت البستان، ثم إذا هو يرحب بك يا أهلاً وسهلاً، أكرمتنا بهذه الزيارة مثلاً، فصار هناك بستان وهناك وجه وهناك ترحيب، ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لذلك الآية الكريمة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾

[ سورة القيامة ]

 

التفكر في الكون طريق إلى معرفة الله:


أيها الإخوة؛ الآن فضلاً عما جاء به العلماء من تعريف أسماء الله الحسنى، أسماء الله الحسنى يمكن أن نعرفها من خلال خلق الله عز وجل، المخلوقات، هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى أو تجسيد لأسماء الله الحسنى، ومن خلال فعله، ومن خلال أمره، ومن خلال كلامه، أي أربعة طرق سالكة لمعرفة الله؛ أن تتفكر في خلقه، أو أن تنظر في أفعاله، أو أن تتدبر أمره، أو أن تستمع إلى كلامه، مثال: الهواء لطيف، موجود وغير موجود، نستنشقه، لا صوت له، بلا لون، بلا حركة، بلا ضجيج، موجود وكأنه غير موجود، لكن ألم تركب طائرة وزنها ثلاثمئة وخمسون طناً؟ كيف يحملها الهواء؟ أربعمئة، خمسمئة، الآن يوجد طائرة ثمانمئة راكب تقريباً، كيف يحملها الهواء؟ والهواء موجود، ولا تراه، ولا تسمع صوته، لكن اركب مركبة ولتنطلق بك بسرعة، مدّ يدك تعرف أن الهواء موجود، لكن موجود بلطف، أما إذا ثار الهواء لا يبقي ولا يذر، الأعاصير التي سرعتها حوالي ألف ومئتي كيلو متر لا تبقي شيئاً إطلاقاً، لا بناء، ولا جدار، ولا شجر، ولا شيء.
 

الله عز وجل لطيف بعباده:


دققوا الأرض تدور حول نفسها بسرعة ألف وستمئة كيلو متر بالساعة، لو الهواء ثابت، والأرض متحركة، معنى ذلك يوجد أعاصير بالأرض كلها سرعتها ألف وستمئة كيلو متر، لا يبقى شيء، لا يبقى بناء، لا تبقى شجرة، لا تبقى آلة، هذه الأعاصير، لو الهواء ثابت والأرض تدور انتهت الحياة، لكن لحكمة بالغة الهواء يدور مع الأرض، لذلك الآية الكريمة:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11)﴾

[ سورة الأنعام ]

عجيب أنا أمشي على الأرض، الآية ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ لأن الله عز وجل عدّ الهواء والأرض معاً، فالهواء جزء من الأرض، تمشي أنت في الأرض، أي على سطح اليابسة وتحت الهواء، لو كان الهواء مستقلاً ومنفصلاً كان هناك أعاصير تُدمّر كل شيء، فالهواء لطيف، والماء لطيف، رقراق، أما إذا ثار البحر يُغرق أكبر مركبة، التفاحة لطيفة، حجمها معتدل، يمكن أن تقضمها بأسنانك، لو كان لها بنية كالصخر تحتاج إلى مطحنة أحجار، بنيتها لطيفة، شكلها لطيف، حجمها لطيف، لونها لطيف، طعمها طيب، مغذية، لطيف الله عز وجل.
أي الفاكهة الكبيرة على الأرض، والفاكهة التي لا تؤذي على الشجر، لو أن البطيخ على الشجر؟! الفاكهة التي لا تؤذي على الشجر، أما الكبيرة على الأرض، الله لطيف، حدثني إنسان من بلد آخر دخل السجن أعطوه علبة طُون بلا مفتاح، قال لي: حتى فتحتها من الساعة الثامنة صباحاً حتى الساعة الثانية ظهراً على الحك، أما البيضة فتحها سهل، الله لطيف، الأشياء التي تحتاجها في متناول يدك.
 

قوى التجاذب أحد أكبر الأدلة على لطف الله عز وجل:


الآن قوى التجاذب؛ لو أن الأرض تفلتت من جاذبية الشمس، أردنا أن نعيدها نحتاج إلى مليون مليون حبل فولاذي، وقطر الحبل خمسة أمتار، معنى حبل فولاذي قطره خمسة أمتار أي يقاوم من قوى الشد مليوني طن، أي الأرض مرتبطة بالشمس بقوة تساوي مليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض في مسيرتها حول الشمس ثلاثة ميليمتر كل ثانية، مليون مليون ضرب مليوني طن من أجل أن تحرف الأرض فتشكل مداراً مغلقاً بكل ثانية ثلاثة ميليمتر، أين هي قوى التجاذب؟ موجودة بيننا، هل يستطيع إنسان في الأرض أن يُعَمر بناء مئة طابق من دون علاقة بالأرض؟ ارتفاعه عشرة أمتار، تمشي تحته، قوى التجاذب قوى مذهلة نمشي خلالها نحن، لطيف الله عز وجل، قوى التجاذب أحد أكبر الأدلة على لطف الله عز وجل، قوى جبارة تربط الكواكب ببعضها بعضاً، ومع ذلك لا تراها أنت، تمشي خلالها، ممكن هذه الدعامة أن تكون موجودة وتحمل السقف وأن تمشي خلالها؟ مستحيل، لطيف الله عز وجل.
 

لطف الله عز وجل بالإنسان وبالأم ووليدها:


الآن الطفل، أمهر طبيب أسنان هل بإمكانه قلع سن من دون ألم؟ يقول لك: بإمكاني، أعطيه إبرة مخدر، هل بإمكان أي طبيب أسنان يعطي الإبرة بلثة الأسنان من دون ألم؟ الطفل الصغير حينما يبدل أسنانه بلا ألم إطلاقاً، هذا قلع سن من قِبل الله عز وجل مباشرة، بلا ألم، فالله لطيف.
الرحم قبل الولادة تقلص لطيف، أولاً: متباعد، مسافة التباعد تنقص تدريجياً، كل ساعة يوجد طلقة، بعد ذلك كل خمسين دقيقة، كل أربعين دقيقة، كل ثلاثين، كل عشرين، وتقلص لطيف إلى أن يخرج الجنين من الرحم، يتقلص الرحم تقلصاً عنيفاً شديداً فجأة كي يُغلق العشرة آلاف وعاء دموي تقطّعت لئلا تموت المرأة بالنزيف، فلو انعكست التقلصات قبل وبعد لماتت الأم والجنين معاً.
قبل الولادة يوجد جنين، التقلص لطيف لطيف لطيف إلى أن يخرج، بعد الخروج تقلص حاد وعنيف حتى تُغلَق الأوعية التي تقطّعت أثناء الولادة، وكم من امرأة ماتت بالنزيف لأن التقلص الثاني كان ضعيفاً:

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20)﴾

[ سورة عبس ]

أيها الإخوة؛ هذا خلقه.
 

أوامر الله عز وجل لطيفة أتت بالتدريج:


أمره؛ أمر بالصلاة، الظهر ثلث ساعة، الصبح ربع ساعة، أعطاك أربعاً وعشرين ساعة، قال لك: صلِّ، مجموع الصلوات ساعة تقريباً، ساعة وخمس دقائق مجموع الصلوات، أمره لطيف، صُم ثلاثين يوماً، لا يوجد صيام متصل، من الفجر إلى المغرب، قال لك: ادفع زكاة مالك اثنين ونصف في المئة، أي الأوامر لطيفة، معقولة، محتملة، ضمن الطاقة، لم يحرمك شيئاً، قال لك: دع الخنزير والخمر فقط:

﴿ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)﴾

[ سورة البقرة ]

كم نوع عصير يوجد؟ لا تعد ولا تحصى، كم نوع من اللحم؟ حرم عليك الخنزير والخمر فقط، كُلْ بعدها ما شئت، صلِّ خمسة أوقات، صُم ثلاثين يوماً، أمره لطيف، والأمر إذا ضاق اتسع، مريض افطر، لا يوجد مانع، مسافر افطر، تسافر تصلي الظهر ركعتين من دون سنن، والعصر ركعتين، أمره لطيف، وخلقه لطيف.
 

تحريم الخمر كان بالتدريج نحو:

 

1 ـ السكَر رزق غير حسن:

حتى تحريم الخمر كان لطيفاً بالتدريج:

﴿ وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67)﴾

[ سورة النحل ]

أي السَّكَر رزق غير حسن، أول إشارة. 

2 ـ عدم اقتراب الإنسان من الصلاة إلا على طهارة:

ثانياً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)﴾

[ سورة النساء ]  

3 ـ تحريم الخمر وغيره:

ثالثاً:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)﴾

[ سورة المائدة ]

 

أمر الله يشف عن لطفه وفعله يشف عن لطفه وخلقه يشف عن لطفه:


كلامه لطيف، الله عز وجل قال:

﴿ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)﴾

[ سورة الشورى ]

أي أخبرك بكلامه، وأمره يشِف عن لطفه، وفعله يشِف عن لطفه، وخلقه يشِف عن لطفه، حظ العبد من هذا الاسم الرفق بالعباد، مادام الله لطيفاً ينبغي أنت أن تكون لطيفاً، الطُف بهم في تعاملك معهم، قال عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يا عائِشَةُ إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعْطِي علَى الرِّفْقِ ما لا يُعْطِي علَى العُنْفِ، وما لا يُعْطِي علَى ما سِواهُ. ))

[ صحيح مسلم ]

يوجد عمل صالح لكن بلطف، الأجر صار مضاعفاً لأنه لطيف:

(( عن معاوية بن الحكم السلمي قال: بيْنَا أنَا أُصَلِّي مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقُلتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي القَوْمُ بأَبْصَارِهِمْ، فَقُلتُ: واثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بأَيْدِيهِمْ علَى أفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فَبِأَبِي هو وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولَا بَعْدَهُ أحْسَنَ تَعْلِيمًا منه، فَوَاللَّهِ، ما كَهَرَنِي ولَا ضَرَبَنِي ولَا شَتَمَنِي، قالَ: إنَّ هذِه الصَّلَاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شيءٌ مِن كَلَامِ النَّاسِ ، إنَّما هو التَّسْبِيحُ والتَّكْبِيرُ وقِرَاءَةُ القُرْآنِ، أَوْ كما قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي حَديثُ عَهْدٍ بجَاهِلِيَّةٍ، وقدْ جَاءَ اللَّهُ بالإِسْلَامِ، وإنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الكُهَّانَ، قالَ: فلا تَأْتِهِمْ قالَ: ومِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ، قالَ: ذَاكَ شيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ، فلا يَصُدَّنَّهُمْ، قالَ ابنُ الصَّبَّاحِ: فلا يَصُدَّنَّكُمْ، قالَ قُلتُ: ومِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ، قالَ: كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فمَن وافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ قالَ: وكَانَتْ لي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ والْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَومٍ فَإِذَا الذِّيبُ قدْ ذَهَبَ بشَاةٍ مِن غَنَمِهَا، وأَنَا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فأتَيْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَعَظَّمَ ذلكَ عَلَيَّ، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أفلا أُعْتِقُهَا؟ قالَ: ائْتِنِي بهَا فأتَيْتُهُ بهَا، فَقالَ لَهَا: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّمَاءِ، قالَ: مَن أنَا؟ قالَتْ: أنْتَ رَسولُ اللهِ، قالَ: أعْتِقْهَا، فإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ. ))

[ صحيح مسلم ]

 أول مرة يصلي، أيضاً لطيف، شخص دخل المسجد وأحدث جلبة وضجيجاً، وشوش على الصحابة صلاتهم، فلما انتهى قال له رسول الله: زادك الله حرصاً ولا تعد، زادك الله حرصاً أثنى عليه ولا تعد: ((إِنَّ اللهَ عز وجلَ رَفيق يحِبُّ الرِّفق، ويُعْطي عليه ما لا يُعطي على العُنْفِ)) .
 

اللطف والرحمة من أسس الدعوة إلى الله عز وجل:


﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)﴾

[ سورة طه ]

الذي قال: 

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)﴾

[  سورة النازعات  ]

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾

[ سورة طه ]

لطيف، لا داعي للغلظة، النبي كان في نشوة اتصاله بالله سمع صوت طفل يبكي فاختصر الصلاة وسلم، قال: سمعته ينادي أمه ببكائه فرحمتها، لطيف، بلا غلظة، قال، إذا أمرت بمعروف فليكن أمرك بمعروف، وإذا نهيت عن منكر فليكن نهيك بلا منكر، إذا أمرت بالمعروف فائمر برفق ناصح لا بعنف مُعسر، دخل إنسان على ملك قال له: سأعظك وأغلظ عليك، قال له: ولمَ الغلظة يا أخي؟ لقد أرسل الله مَن هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، بلا غلظة، سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم معه وحي، معه إعجاز، معه معجزات، معه فصاحة، معه علم، معه ذكاء، معه حكمة، قال له: أنت أنت بالذات:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران ]

تجد شخصاً لا هو نبي، ولا رسول، ولا معه وحي، ولا معجزات، ولا فصيح، ولا جميل الصورة، وغليظ: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ .
 

أحد أكبر نتائج معرفة أسماء الله الحسنى التخلق بكمال الله عز وجل:


قال: إذا عرفت شيئاً سيئاً فاستره وكن لطيفاً، وإذا تحركت نحو عمل فكن بهذه الحركة لطيفاً، إن أردت إحداث شيء فاجعل لهذا الشيء برنامجاً تدريجياً لئلا تُثقل على الناس، إذا دعوت إلى الله عز وجل كن رحيماً بهم، ليناً معهم، قال: إذا استُفتيت في أمر وكان في الأمر سعة فأفتِ بالرخصة، وخذ نفسك بالعزيمة، يوجد أشخاص بالعكس يأخذ بكل الرخص لنفسه، ويُفتي بكل العزائم، لؤم، إن سئلت في فتيا أفتِ بالرخصة، وخذ نفسك بالعزيمة، لكن بالنهاية لا يمكن أن تتقرب إلى الإله اللطيف إلا إذا كنت لطيفاً مع خلقه، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

يوجد نقطة دقيقة؛ معنى اللطيف أن تكون عالماً بدقائق الأمور، وغوامضها، وخلفياتها، وبواعثها، ومقاصدها، وأن تفهم ما بين السطور، ولطيف اليد من كان حاذقاً في صنعته، مهتدياً إلى ما يُشكل على غيره، من أنواع اللطيف أن تكون عالماً ببواطن الأمور، لا تكن ساذجاً، تؤخذ بكلام غير محقق، فلهذا أحد أكبر نتائج معرفة أسماء الله الحسنى هو أن تتخلّق بهذا الكمال الإلهي.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور